منتدى اهل السنة الاشاعرة للحوار الاسلامي
عزيزي الزائر ترحب بك ادارة المنتدى ونرجوا التعريف بنفسك وان كنت غير معرف نرجوا منك التسجيل لتكون من اسرة منتديات انا سني للحوار الفقهي والعقائدي


موقع للرد على الوهابية والسلفية وطوائف التكفير ونصرة الحديث والاثر والسلف والاامة
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالأعضاءالتسجيلدخول
اعلان افتتاح منتدى اهل السنة والجماعة الاشاعرة للرد على الشبه العقائدية والفقهية والرد على فرق الوهابية والسلفية والجامية والشيعية
اعلان عن اسماء المواقع مستحقة الزيارة1منتدى الحوار الاسلامي الرابط http://al7ewar.net/forum/fhrs.php
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» نحو نزعة إنسانيه إسلاميه
الجمعة مارس 27, 2015 1:10 am من طرف صبرى محمد خليل خيرى

» نحو خطاب تقدمي اسلامى
السبت مارس 21, 2015 2:00 am من طرف صبرى محمد خليل خيرى

» موقف الفكر الاسلامى من الفنون بين المنع والضبط
السبت مارس 14, 2015 6:46 am من طرف صبرى محمد خليل خيرى

» الشيعة:قراءه نقدية مقارنه لأصولها الفكرية
السبت مارس 14, 2015 6:40 am من طرف صبرى محمد خليل خيرى

» موضوع في بيان مذهب الوهابية ( الوهابية في صورتها الحقيقية )
الثلاثاء مارس 10, 2015 2:09 pm من طرف محمد الازهرى الاشعرى

» نماذج من تاويلات السلف الصالح
الثلاثاء مارس 10, 2015 8:20 am من طرف محمد الازهرى الاشعرى

» التعريف بالامام ابو حنيفة
الثلاثاء مارس 10, 2015 8:16 am من طرف محمد الازهرى الاشعرى

» اهلا بكم اعزائنا الاعضاء الكرام ونهنئ اخوتنا اهل السنة بافتتاح هذا المنتدى
الأحد سبتمبر 28, 2014 4:08 am من طرف العتيبي الأشعري

» اهلا بكم اعزائنا الاعضاء الكرام ونهنئ اخوتنا اهل السنة بافتتاح هذا المنتدى
الثلاثاء فبراير 19, 2013 2:10 am من طرف عبد النور ياسين

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 ابحـث
المتواجدون الآن ؟
ككل هناك 2 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 2 زائر

لا أحد

أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 16 بتاريخ الأربعاء سبتمبر 14, 2016 6:28 am

شاطر | 
 

 متن عقيدة اهل التوحيد للامام السنوسي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابو جعفر الاشعري
المدير العام


الى اي المذاهب العقدية تنتمي : اشعري
عدد المساهمات : 28
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 06/07/2009
العمر : 42

مُساهمةموضوع: متن عقيدة اهل التوحيد للامام السنوسي   الخميس سبتمبر 24, 2009 1:56 pm

هذا متن الكبرى المسمى بـ (عقيدة أهل التوحيد) للإمام المجتهد العالم العلامة المحقق العارف بالله ، سيدي أبي عبدالله محمد بن يوسف السنوسي الحسني التلمساني ، رحمه الله ، ونفع بعلومه المسلمين آمين آ مين آمين .

بسم الله الرحمن الرحيم

قال السيد الشريف الشيخ الفقية الامام المجتهد العالم العلامة ، وحيد دهره وفريد عصره ، القدوة المحقق ، الولي العارف بالله ، سيدي أبو عبدالله ، محمد بن يوسف السنوسي الحسني التلمساني ، القطب الرباني ، رحمه الله ووالديه ونفعنا بعلومه آمين .

وبعد ،
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ، خاتم النبيين وإمام المرسلين ، ورضي الله تعالى عن أصحاب رسول الله أجمعين ، وعن التابعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .
اعلم - شرح الله صدري وصدرك ، ويسر لنيل الكمال في الدارين أمري وأمرك – أن أول ما يجب قبل كل شيء على من بلغ ، أن يُعمِل فكرَه فيما يوصله إلى العلم بمعبوده من البراهين القاطعة ، والأدلة الساطعة ، إلا أن يكون حَصَل له العلمُ بذلك قبل البلوغ ، فليشتغل بعده بالأهم فالأهم .
ولا يرضى لعقائده حرفة التقليد ، فإنها في الآخرة غير مُخَلِّصة عند كثير من المحققين ، ويُخشى على صاحبها الشكُّ عند عروض الشبهات ، ونزول الدواهي المعضلات كالقبر ونحوه ، مما يفتقر فيه إلى قول ثابت بالأدلة ، وقوة يقين ، وعقد راسخ لا يتزلزل ، لكونه نتج عن قواطع البراهين ، ولا يغتر المقلد ويستدل على أنه على الحق بقوة تصميمه ، وكثرة تعبده ، للنقض عليه بتصميم اليهود والنصارى وعَبَدَة الأوثان ، ومن في معناهم ، تقليدا لأحبارهم وآبائهم الضالين المضلين .

فصل
وإذا عرفت هذا أيها المقلد ، الناظرُ لنفسه بعين الرحمة ، فأقرب شيء يخرجك عن التقليد ، بعون الله تعالى ، أن تنظر إلى أقرب الأشياء إليك ، وذلك نفسُك قال الله تعالى : (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) فتعلم على الضرورة أنك لم تكن ثم كنت ، فتعلم أن لك موجدا أوجدك ، لاستحالة أن توجد نفسك ، وإلا لأمكن أن توجِد ما هو أهون عليك من نفسك ، وهو ذات غيرك ، لمساواته لك في الإمكان .
وإنما قلنا : هو أهون عليك ، لما في إيجادك نفسَك مِن زيادة التهافت ، والجمعِ بين متنافيين ، وهو تقدُّمُك على نفسك ، وتَأَخُّرُك عنها ، لوجوب سبقِ الفاعل على فِعْله ، فإذا كانت ذاته نفسُ فِعْلِه ، لزم المحذورُ المذكور .
فإذا قلتَ : كيف أعلم ضرورة سبقِ عدمي ، وقد كنتُ ماء في صلب أبي ، وكذا أبي في صلب أبيه ، وهلم جرا ؟ .
غاية الأمر أني أعلم ضرورة تحولي من صورة إلى صورة ، لا من عدم الى وجود كما ذكرت ؟ .
فالجواب : أن ذاتك الآن أكبر من النطفة التي نشأت عنها قطعا , فتعلم على الضرورة أن ما زاد كان معدوما ثم كان ، وإذا كان معدوما ثم وُجِد فلا بد له من مُوجِد ، فقد تمَّ لك البرهان القاطع - بهذا الزائدِ مِن ذاتك - على وجود الصانع دون حاجة إلى غيره .
ثم إذا نظرت إلى هذا الزائد من ذاتك ، وجدَّتَه جرما يَعْمُرُ فراغا ، يجوز أن يكون على ما هو عليه من المقدار المخصوص ، والصفة المخصوصة ، وأن يكون على خلافهما ، فتعلم قطعا أن لصانعك اختيارا في تخصيص ذاتك ببعض ما جاز عليها .
فيخرج لك من هذا : البرهانُ القاطعُ على أن النطفة التي نشَأْتَ عنها قطعا ، يستحيل أن تكون هي الموجدةَ لذاتك ، لعدم إمكان الاختيار لها حتى تخصص ذاتَك ببعض ما جاز عليها .
وأيضا : لا طبع لها في وجود ذاتك ، وإلا لكنت على شكل الكرة ، لاستواء أجزاء النطفة ، ولا في نموها ، وإلا لكنت تنمو أبدا .
ومن هنا أيضا تعلم أن تلك النطفة ، وسائرَ العالم ، لم يكن ثم كان ، إذ كله مثلك ، جرم يعمر فراغا ، يمكن وجوده وعدمه ، واتصافه بما هو عليه من المقادير والصفات المخصوصة وبغيرها ، فيحتاج كما احتجتَ إلى مخصص يخصصه بما هو عليه ، لوجوب استواء المثلين في كل ما يجب ويجوز ويستحيل .
وقد وجب لذاتك سَبْقُ العدم ، فكذلك يجب لسائر العالم المماثل لك ، إذ لو جاز أن يكون بعض العالم قديما ، والقدم لا يكون إلا واجبا للقديم ، كما يأتي ، للزم أن يختص أحد المثلين عن مثله بصفة واجبة وهو محال ، لِما يلزم من اجتماع متنافيين ، وهو أن يكون مِثْلا غير مثل .
فخرج لك بالنظر في ذاتك ، وانعقاد التماثل بينك وبين سائر الممكنات ، البرهانُ القاطع على حدوث العالم كله ، علوه وسفله ، عرشه وكرسيه ، أصله وفرعه ، وأن جميعَه عاجز عن إيجاد نفسه ، وعن إيجاد غيره ، كعجزك ، وأن الجميع مفتقر إلى فاعل مختار ، كافتقارك ، ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ) .
وأيضا لو نظرتَ إلى تغيُّر صفات العالم ، قَبولا وحُصولا ، لَدَلَّكَ ذلك على حدوثها ، لِما يأتي من استحالة تغير القديم ، ودَلَّكَ حدوثُها على حدوث موصوفِها ، لاستحالة عُرُوِّهِ عنها .
وتقديرها حوادث لا أول لها ، يؤدي إلى فراغ ما لا نهاية له عددا ، قبل ما وجد منها الآن ، لكن فراغ العدد يستلزم انتهاء طرفيه ، ففراغ ما لا نهاية له من عدد الحوادث مُحال ، فما توقف عليه الآن من وجود الحوادث ، يجب أن يكون محالا ، فيلزم أن تكون عدما ، مع تحقق وجودها .
وأيضا يلزم على وجود حوادث لا أول لها ، أن يقارن الوجود الأزلي عدمه ، وأن يستحيل عند تطبيق ما فرغ منها بدون زيادة على نفسه ، مع زيادة ما عُلِم بين العددين من وجوب المساواة أو نقيضها ، وأن يصح في كل حادث ثبوت حكم بفراغ ما لا نهاية له قبله ، وهكذا لا إلى أول في الأحكام ، ومِن لازِمِها سبقُ محكوم عليه بالفراغ ، فيلزم أن يسبق أزلي أزليا ، وإن أجيب بالنهاية في الإحكام ، لزم أن ما يتناهى لا يتناهى بزيادة واحد .

فصل : ( في وجوب القدم له تعالى )
ثم تقول : يجب أن يكون هذا الصانع لذاتك ولسائر العالم قديما ، أي غير مسبوق بعدم ، وإلا افتقر إلى محدث ، وذلك يؤدى إلى التسلسل ، إن كان محدِثُه ليس أثرا له ، أو إلى الدور إن كان ، والتسلسل والدور محالان ، لما في الأول من فراغ ما لا نهاية له بالعدد ، وفي الثاني من كون الشيء الواحد سابقا على نفسه مسبوقا بها .

فصل : ( في وجوب البقاء له تعالى )
ثم تقول : ويجب أن يكون باقيا ، أي لا يلحق وجودَه عدم ، وإلا لكانت ذاته تقبلهما ، فيحتاج في ترجيح وجوده إلى مخصص ، فيكون حادثا ، كيف وقد مرَّ بالبرهان آنفا وجوبُ قِدَمه ، ومِن هنا تعلم أن كل ما ثبت قدمه استحال عدمه .
ومن هنا أيضا تعلم وجوبَ تَنَزُّهه تعالى أن يكون جرما ، أو قائما به ، أو محاذيا له ، أو في جهة له ، أو مرتسما في خياله ، لأن ذلك كله يوجب مماثلته للحوادث ، فيجب له ما وجب لها ، وذلك يقدح في وجوب قدمه وبقائه ، بل وفي كل وصف من أوصاف ألوهيته .

فصل : ( وجوب أن يكون تعالى قادرا ، مريدا ، عالما ، حيا ، وسميعا ، وبصيرا ، متكلما )
ويجب لهذا الصانع أن يكون قادرا ، وإلا لَمَا أوجدك ، ومريدا ، وإلا لما اختَصَصْتَ بوجودٍ ، ولا مقدار ، ولا صفة ، ولا زمن ، بدلا عن نقائضها الجائزة ، فيلزم إما قدمُك ، أو استمرار عدمك .
ومن هنا تعلم استحالة كون الصانع طبيعة ، أو علة موجبة ، فإن أجيب عن التأخير في الطبيعة بالمانع ، أو فوات الشرط ، لزم عدمُ القديم ، أو التسلسل ، لنقل الكلام إلى ذلك المانع أو ذلك الشرط .
ثم يجب لصانعك أن يكون عالما ، وإلا لم تكن على ما أنت عليه من دقائق الصنع في اختصاص كل جزء منك بمنفعته الخاصة به ، وإمداده بما يحفظها عليه ، ونحو ذلك من المحاسن التي تعجز عقول البشر عن الإحاطة بأسرارها .
وحَيًّا ، وإلا لم يكن بهذه الأوصاف التي سبق وجوبها .
وسميعا ، بصيرا ، متكلما ، وإلا لاتصف - لكونه حيا – بأضدادها ، وأضدادُها آفات ونقص ، وهي عليه تعالى محال ، لاحتياجه حينئذ إلى من يكمله ، كيف وهو الغني بإطلاق ، المفتقر إليه كل ما سواه على العموم .
والتحقيق : الاعتمادُ في هذه الثلاثة على الدليل السمعي ، لأن ذاته تعالى لم تُعرف حتى يحكم في حقه بأنه يجب الاتصاف بأضدادها عند عدمها ، ولا يستغني بكونه عالما عن كونه سميعا بصيرا ، لِمَا نجده من الفرق الضروري بين علمنا بالشيء حال غيبته عنا ، وبين تعلق سمعنا وبصرنا به قبل .

( كونه مدركا )
وبهذا يثبت كونه مدرِكا ، عند مَن أثبته ، والتحقيق فيه الوقف ، لما تقدم من أن التحقيق في نفي النقائص ، الاعتمادُ على السمع ، وقد ورد في السمع والبصر والكلام ، ولم يرد في الإدراك ، وجزم بعضهم بنفيه لما رآه ملزوما للاتصال بالأجسام ، يعني : ويدخل في العلم ، والحق انه لا يستلزمه .
وبالجملة ، فمجموع ما فيه ثلاثة أقوال ، وأقربها الوقف كما قدمناه .

فصل ( في صفات المعاني )
ثم نقول : يتعين أن تكون هذه الأوصاف السبع تُلازِمها معانٍ تقوم بذاته تعالى ، فيكون قادرا بقدرة ، مريدا بإرادة ، ثم كذلك إلى آخرها ، إما لِتَحَقُّق تلازمها في الشاهد ، وإما لأنها لو ثبتت بالذات للزم أن تكون الذاتُ قدرةً إرادةً عِلمًا ، ثم كذلك ما بعدها ، لثبوت خاصية هذه الصفات لها .
وكون الشيء الواحد ذاتا ، معنىً محالٌ ، لأنه يلزم أن يضادَّ وأن لا يضادّ ، وأن يستلزم وجود محلٍّ ، وأن لا يستلزمه ، وذلك جَمْعٌ بين متنافيين ، وأن يكون الوجودان فأكثر وجودا واحدا ، على القول بنفي الأحوال ، وأصل ذلك المسألة المشهورة بـ ( سواد حلاوة ) .
فإن قالوا : ويلزم من وجودها تعليل الواجب ، وذلك مستلزم جوازَه .
قلنا : معنى التعليل هنا التلازم ، لا إفادةُ العلةِ معلولَها الثبوتَ .
قالوا : لو وجدت للزم تَكَثُّر القديم بها ، والإجماع أن القديم واحد .
قلنا : الموصوف لا يتكثر بصفاته ، بدليل أن الجوهر الفرد يتصف بصفات عديدة ، وهو واحد ، ومعنى الإجماع : أن الموصوف بصفات الألوهية واحد .
قالوا : لو وجدت للزم تعدد الآلهة ، لمشاركتها له في أخص وصفه ، وهو القدم ، وذلك يوجب الاشتراك في الأعم .
قلنا : ممنوع أن القدم صفة ثبوتية ، فضلا عن أن يكون صفة نفسية ، فضلا عن أن يكون أخص ، ثم الإيجاب للأخص في باب التماثل ممتنع ، لوجود الاشتراك في الأعم مع انتفائه في الأخص .

فصل : ( وجوب قدم صفات المعاني )
ثم نقول : يتعين أن تكون هذه الصفات كلها قديمة ، إذ لو كان شيء منها حادثا ، للزم أن لا يعرى عنه ، أو عن الاتصاف بضده الحادث ، ودليل حدوثه : طريان عدمه ، لما علمت من استحالة عدم القديم ، وما لا يتحقق ذاته بدون حادث يلزم حدوثه ضرورة ، وقد تقدم مِثْلُ ذلك في الاستدلال على حدوث العالم .
فإن قلت : إنما يتم ذلك إذا وجب أن القابل للشيء لا يخلو عنه ، أو عن ضده ، ولم لا يقال بجواز خلوه عنهما معا ، ثم يطرأ الاتصاف بهما ، فتتحقق ذاته دونهما ، فلا يلزم الحدوث ؟ .
فالجواب : أنه لو خلا عنهما مع قبوله لهما ، لجاز أن يخلو عن جميع ما يقبله من الصفات ، إذ القبول لا يختلف ، لأنه نفسي ، وإلا لزم الدور أو التسلسل ، وخلو القابل عن جميع ما يقبله من الصفات محال مطلقا في الحادث ، لوجوب اتصافه بالأكوان ضرورة ، وفي القديم ، لوجوب اتصافه بما دل عليه فعله ، كالعلم والقدرة والإرادة ، ولو فُرِضَت حادثةً للزم الدور أو التسلسل ، لتوقف إحداثها عليها .
وإذا عرفت وجوب قدم الصفات ، عرفت استحالةَ عدمها ، لِما قدَّمنا من بيان استحالة العدم على القديم ، فخرج لك بهذا استحالةُ التغير على القديم مطلقا ، أما في ذاته ، فلوجوب قدمه وبقائه لما مر ، وأما في صفاته فلما ذُكِر الآن ، ومن ثمَّ استحال على علمه أن يكون كسبيا ، أي يحصل له عن دليل ، أو ضروريا أي يقارنه ضرر ، كعلمنا بألمنا ، أو يطرأ عليه سهو أو غفلة ، واستحال على قدرته أن تحتاج إلى آلة ،أو معاونة ، وعلى إرادته أن تكون لغرض ، وعلى سمعه وبصره وكلامه وإدراكه - على القول به- أن تكون بجارحة أو مقابلة أو اتصال ، أو يكون كلامه حرفا أو صوتا ، أو يطرأ عليه سكوت ، لاستلزام جميع ذلك التغير والحدوث .
فصل
ثم نقول : يجب لهذه الصفات الوحدة ، فتكون قدرة واحدة ، وإرادة واحدة ، وعلما واحدا ، وكذا ما بعدها ، ويجب لها عدم النهاية في متعلقاتها ، فتتعلق القدرة والإرادة بكل ممكن ، والعلم والكلام بجميع أقسام الحكم العقلي ، وهي كل واجب ، وجائز ، ومستحيل ، والسمعُ والبصر والإدراك - على القول به - بكل موجود .
أما عدم النهاية في متعلقاتها ، فلأنها لو اختصت ببعض ما تصلح له ، لاستحال ما عُلِم جوازُه ، وافتقر إلى مخصص .
لا يقال : جاز التعلق بالجميع ، لكن منع منه مانع ، لأنا نقول : المانع إن ضادَّ الصفةَ ، لزم عدمها ، وعدمُ القديم محال ، وإلا فلا أثر له ، وأيضا فالتعلق نفسي ، يستحيل أن يمنع منه مانع ، والمانع في حقنا إنما منع وجود الصفة ، لتعددها بالنسبة إلينا ، بدليل صحة ذهولنا عن أحد المعلومين ، مع بقاء الآخر ، لا تعلقها .
وأما دليل وحدتها ، فلأنها لو تعددت بتعدد متعلقاتها ، للزم دخول ما لا نهاية له عددا في الوجود ، وهو محال ، وإلا لم يكن لبعض الأعداد ترجيح على بعض ، فتفتقر في تعيين بعضها إلى مخصص ، وذلك يوجب حدوثها ، وقد تبين وجوبُ قِدَمها هذا خلف ، فتعين اذاً وجوب وحدتها .
فان قلت مثلا : العلم في حقنا متعدد بحسب تعدد متعلقه ، وكذا غيره ، فلو قام العلم مثلا في حقه تعالى مقام علوم ، لجاز أن يقوم في حقه تعالى مقام القدرة والإرادة وسائر الصفات ، بجامع قيامه مقام صفاتٍ متغايرة ، بل ويلزم عليه أن يجوز قيام ذاته مقام الصفات كلها ، وذلك مما يأباه كل مسلم .
قلنا : الفرق أن التغاير في العلوم الحادثة ، لأجل التغاير في المتعلق مع الاتحاد في النوع ، فحيث فرضت الوحدة في العلم مثلا ، زال التغاير ، أما العلم والقدرة وسائر الصفات ، فمتغايرة في حقائقها جنسا ، فلو قام بعضها مقام بعض ، لزم قلب الحقائق ، ولزم ما تقدم في مسالة سواد حلاوة .

فصل ( الوحدانية )
ثم نقول : يجب لهذا الصانع أن يكون واحدا ، إذ لو كان معه ثان ، للزم عجزُهما ، أو عجزُ أحدهما عند الاختلاف ، وقهرُهما ، أو قهرُ أحدهما عند الاتفاق الواجب ، مع استحالة ما علم إمكانه لكل واحد باعتبار الانفراد ، ونفي وجوب الوجود لكل واحد منهما ، للاستغناء بكل منهما عن كل منهما ، فإن لم يجب اتفاقهما ، بل جاز اختلافهما ، لزم قبولهما العجز ، وعاد الأول .
ويلزم أيضا في الاتفاق مطلقا ، العجزُ ، لأن الفعل الواحد يستحيل عليه الانقسام ، فيتمانعان فيه ، فيلزم عجزهما ، أو عجز أحدهما ، كما في الاختلاف ، والعجزُ على الإله محال ، لأنه يضاد القدرة ، فإن كان قديما لزم استحالة عدمه ، فيجب أن لا يقدر هذا الإله على شيء دائما ، وإن كان حادثا فضده ، وهو القدرة القديمة ، فيستحيل عدمها ، فلا يوجد العجز ، وأيضا فيستحيل اتصاف الإله بصفة حادثة .
فإن قلت : فلم لا يجوز أن ينقسم العالَمُ بينهما قسمين ، فيكون أحدهما قادرا على أحد القسمين والآخر على الآخر فلا يلزم التمانع ؟ .
فالجواب : أنه قد تقرر قبلُ استحالةُ التناهي في مقدورات الإله ومراداته ، فيستحيل هذا الفرض الذي ذكر في السؤال ، وأيضا ، فالقسمان إن كانا معا في الجواهر ، لزم من تعلق القدرة ببعضها تعلقها بالجميع للتماثل ، فيلزم التمانع ، وإن كان أحد القسمين الجواهرَ ، والآخرُ الاعراضَ ، فذلك لا يعقل ، إذ القدرة على إيجاد الجواهر لا تعقل بدون القدرة على أعراضها ، وكذلك العكس ، للتلازم الذي بينهما ، ثم ذلك لا يدفع التمانع عندما يريد أحدهما أن يوجد الجواهر والآخر لا يريد أن يوجد عرضه .
ويصح إثبات هذ العقد – وهو الوحدانية - بالدليل السمعي ، ومَنَعَهُ بعض المحققين ، وهو رأيي ، لأن ثبوت الصانع لا يتحقق بدونها ، ولا أثر للدليل السمعي في ثبوت الصانع ، فكذا ما يتوقف عليه ، والله اعلم .
ويصح أن يُستدل على الوحدانية بما تقدم في وحدة الصفات ، فنقول : يلزم من تعدد الإله وجودُ ما لا نهاية له عددا ، إن تعدد بعدد الممكنات ، والاحتياج إلى مخصص إن وقف دون ذلك ، وكلاهما محال .
وبهذا الدليل بعينة - أعني دليل التمانع - يستدل على أنه جل وعلا هو الموجد لأفعال العباد ، ولا تأثير لقدرتهم الحادثة فيها ، بل هي موجودة مقارنة لها .
وإنما قلنا بوجود قدرة مقارنة ، لما نجده من الفرق الضروري بين حركة الاضطرار وحركة الاختيار .

( الكسب )
وعن تعلق هذه القدرة الحادثة بالمقدور في محلها ، مقارِنة له ، من غير تأثير عبر أهل السنة – رضي الله عنهم - بالكسب ، وهو متعلق التكليف الشرعي ، وأمارة على الثواب والعقاب ، فبطل إذن مذهب الجبرية ، وهو إنكار القدرة الحادثة ، لما فيه من جحد الضرورة ، وإبطال محل التكليف ، وأمارة الثواب والعقاب ، ومن هنا كان بدعةً .
ومذهبُ القدرية( ) ، وهو كون العبد يخترع أفعالَه ، على وفق مراده ، بالقدرة التي خلق الله له ، لما علمت من دليل الوحدانية ، واستحالة شريك مع الله تعالى أيًّا كان .
ويلزم فيه أيضا استحالة ما علم إمكانه ، إذ الأفعال يصح تعلق القدرة القديمة بها ، قبل تعلق القدرة الحادثة ، فلو منعتها القدرة الحادثة للزم ما ذكر ، وترجيح المرجوح .
قالوا : لم يزل يقدر عليها ، بأن يسلب القدرة الحادثة .
قلنا : فقد لزم إذن أن لا يقدر عليها مع وجود القدرة الحادثة ، وأيضا : من أصلكم وجوب مراعاة الصلاح والأصلح ، فلا يمكن سلبها عندكم بعد التكليف .
قالوا : فكيف يثيبه أو يعاقبه على غير فعله ؟
قلنا : يفعل ما يشاء ، لا يسأل عما يفعل ، والثواب والعقاب غير معلَّلين ، وإنما الأفعال أمارات شرعية عليهما ، يخلق الله تعالى منها في كل مكلف ما يدل شرعا على ما أراد به في عقباه ، فكلٌّ ميسر لما خلق له ( ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ) نسأله سبحانه حسن الخاتمة بفضله .
قالوا: كيف يُمدح العبد أو يذم على غير ما فعل ؟ ويلزم أن تكون للعباد الحجة في الآخرة ، وقد قال الله تعالى : ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) .
قلنا : من معنى ما قبله ، وأيضا : فيبطل بمسألة خلق الداعي والقدرة الحادثة وبعلمه القديم المحيط بكل شيء ، والحق أن العبد مجبور في قالب مختار ، فحسن فيه رَعْي الأمرين ، على تقدير تسليم أصل التحسين والتقبيح العقليين .

فصل ( التولد )
وإذا عرفت استحالة تأثير القدرة الحادثة في محلها ، بطل لذلك أيضا تأثيرها بواسطة مقدورها في غير محلها ، كرمي الحجر ، والضرب بالسيف ، ونحو ذلك مما يوجد عادة بواسطة حركة اليد مثلا ، وهو المسمى بالتولد عند القدرية ، مجوس هذه الامة ، مع ما فيه – على مذهبهم - من وجود أثر بين مؤثرين ، ووجود فعل من غير فاعل ، أو فاعل من غير إرادة ولا علم بالمفعول ، ونحو ذلك من الاستحالات المذكورة في المطولات .
واتفق الأكثر على عدم تولد الشبع والري ونحوهما عن الأكل والشرب وشبههما ، وذلك مما ينقض أيضا على القائلين بالتولد ، وبالله التوفيق .
وهذا الذي ذكر في أوصافه تعالى إلى هنا هو كله مما يجب في حقه تعالى ، وإذا علم ما يجب في حقه تعالى ، عُلم ما يستحيل ، وهو ضد ذلك الواجب .

فصل ( الرؤية )
ويجوز في حقه تعالى أن يرى بالأبصار على ما يليق به جل وعلا ، لا في جهة ، ولا في مقابلة ، لقوله تعالى : ( إلى ربها ناظرة ) ، ولسؤال موسى كليمه عليه السلام لها ، إذ لو كانت مستحيلة ما جَهِل أمرَها ، ولإجماع السلف الصالح ، قبل ظهور البدع ، على ابتهالهم إلى الله تعالى ، وطلبهم النظر إلى وجهه الكريم ، ولحديث : ( سترون ربكم ) ونحو ذلك مما ورد ، والظواهر إذا كثرت في شيء أفادت القطع به .
ولا يعارضها قوله تعالى : ( لا تدركه الأبصار ) لأن الإدراك أخصّ ، لإشعاره بالإحاطة ، ولا شك أنها منتفية مطلقا ، سلمنا أنه الرؤية ، لكن المراد في الدنيا ، أو هو من باب الكل لا الكلية .
ولا قوله عز وجل : ( لن تراني ) لأن المراد : في الدنيا ، إذ هو المسؤول لموسى عليه السلام ، والأصل في الجواب المطابقة ، ولهذا قال : ( لن تراني ) ولم يقل : لم أُرَ ، أو : لم تمكن رؤيتي ، وقد يستأنس لذلك بما تقرر في المنطق أن نقيض الوقتية يؤخذ فيه وقتها المعين .
وأما إثباتها بالدليل العقلي المشهور ، وهو أن مصحح الرؤية الوجود فضعيف ، لأن الوجود عينُ الموجود ، فلا يصح أن يكون علة .
ومعتمد من أحالها من المبتدعة أنها تستدعي الجهة والمقابلة ، وهو باطل لأن ذلك مفرَّع على انبعاث الأشعة ، فتتصل بالمرئي ، وذلك لو صح لوجب أن لا يرى الإنسان إلا قدر حدقته ، وهو باطل على الضرورة .
قالوا : إنما يكون ذلك لاتصال الشعاع بالهواء وهو مضيء ، فأعان على رؤية ما قابله كالبلور المُعِيْنِ بإشراقه على رؤية ما فيه .
قلنا : فيلزم أن لا يرى من الهواء إلا قدر حدقته ، وإيضا فنحن نرى والهواء مظلم ، وما نرى والهواء مشرق .
ومما ينقض عليهم ، عدم رؤية الجوهر الفرد ، مع اتصال الشعاع به ، ولا يناله من ذلك وحدَه ، إلا ما يناله مع غيره ، ورؤية الكبير مع البعد صغيرا ، مع اتصال الشعاع والمقابلة بجميعه .
قالوا : إنما ذلك لأن الشعاع نفذ من زاوية حادة لمثلث قاعدته المرئي ، فقام خطا مستقيما بوسط القاعدة على زوايا قائمة ، ومعلوم أنه أصغر مما يقوم عليها من سائر الخطوط ، فزيادة ذلك البعد لغيره منعت من رؤية طرفي المرئي .
قلنا : فيلزم إذا انتقل المرئي إلى مقدار تلك الزيادة من البعد أن لا يرى والمشاهدة تكذبه .
ومما ينقض عليهم رؤية الأكوان ، مع أن الأشعة لم تتصل بها .
قالوا: المرئي ما اتصلت به ، أو قام بما اتصلت به .
قلنا : فيلزم أن تُرى الطعوم والروائح ، لقيامها بما اتصلت به .
قالوا: إنما ذلك فيما يقبل الرؤية .
قلنا : فها هو البعيد يرى دون لونه .
ومما ينقض عليهم ، رؤية قرص الشمس مع عدم رؤية ما دونها من الطير إذا علا في الجو ، ورؤية النار على البعد دون ما دونها ، وأيضا الانبعاث إنما يكون عن اعتماد إلى جهة ، والسبر يبطله .
ثم لزوم المقابلة يبطل رؤية الإنسان نفسَه في المرآة والماء .
قالوا : لم تتثبت الأشعة فيهما لعدم التضريس ، فانعكست إلى الرائي .
قلنا : فيلزم أن لا يرى المرآة والماء ، لعدم قاعدة الأشعة فيهما .
قالوا : إنما يرى صورة منطبعة لا نفسه فيهما .
قلنا : فيلزم أن لا تبعد ببعده .
ومما يلزم على اشتراط المقابلة أن لا يرى الرائي إلا قدر ذاته ، إذ لا يقابل أكبر منها .
قالوا : الشعاع أعان على ذلك .
قلنا : قد تقدم جوابه .
ولو سلم ذلك كله ، فرؤية الله تعالى لكل موجود ، ولا بنية ، ولا شعاع ، وليس في جهة ، ولا مقابلة ، يهدم ما أصلوه .
وأيضا : فما ثبت من رؤية النبي صلى الله عليه وسلم الجنة من موضعه ، مع غاية البعد ، وكثافة الحجب ، يمنع ما تخيلوه من الأشعة والموانع .
وإذا تقرر هذا ، فالبصر عند أهل الحق عبارة عن معنىً يقوم بمحلٍّ مّا ، يتعلق المرئيات ، ويتعدد في حقنا بتعددها ، وما لم يُرَ من الموجودات فلموانع قامت بالمحل على حسبها ، وهل قام في العمى مانع واحد يضاد جميع الادراكات ؟ أو موانع تعددت بتعدد ما فاتت رؤيته من الموجودات ؟ فيه تردد .

فصل ( لا يجب على الله تعالى شيء )
ومن الجائزات في حقه تعالى ، خلقُ العباد ، وخلق أعمالهم ، وخلق الثواب والعقاب عليها ، لا يجب عليه شيء من ذلك ، ولا مراعاة صلاح ولا أصلح ، وإلا لوجب أن لا يكون تكليفٌ ، ولا محنة دنيوية ، ولا أخروية .
والأفعال كلها ، خيرها وشرها ، نفعها وضرها ، مستوية في الدلالة على باهر قدرته جل وعز ، وسعة علمه ، ونفوذ إرادته ، لا يتطرق لذاته العلية من ذلك كمال ولا نقص ، كان الله ولا شيء معه ، وهو الآن على ما كان عليه ، فأكرم سبحانه من شاء بما لا يكيف من أنواع النعيم بمجرد فضله ، لا لميلٍ إليه ، أو قضاء حق وجب له عليه ، وعَدَلَ فيمن شاء بما لا يطاق وصفه من أصناف الجحيم ، لا لإشفاء غيط ، ولا لضرر ناله من قِبَله .
وكلا النوعين دال على سعة ملكه ، وانقياد جميع الممكنات لإرادته ، وعدم تعاصيها على باهر قدرته ، كل منها واقع على ما ينبغي من جريه على وفق علمه وإرادته ، من غير أن يتجدد له بذلك كمال أو نقص ، لا حالا ، ولا مآلا ، فالوجوب إذن والظلم عليه محالان ، إذ الوجوب يستدعي تعاصي بعض الممكنات ، والظلم يستدعي التصرف على خلاف ما ينبغي .
ومن هنا تعلم استحالة أن يكون فعله تعالى لغرض ، لأنه لو كان له غرض في الفعل لأوجبه عليه ، وإلا لم يكن له علة ، فيكون مقهورا ، كيف وربك يخلق ما يشاء ويختار ؟ .
وأيضا : فالغرض إما قديم ، فيلزم قِدَمُ الفعل ، وقد مر برهانُ حدوثه ، أو حادث ، فيفتقر إلى غرض ثم كذلك ، ويتسلسل فيؤدي إلى حوادث لا أول لها ، وقد مر برهان بطلانه .
وأيضا : فالغرض إما مصلحة تعود إليه ، أو إلى فعله ، فالأول محال ، لاستلزامه اتصاف ذاته العلية بالحوداث ، والثاني محال ، لعدم وجوب مراعاة الصلاح والأصلح ، ولأنه قادر على إيصال تلك المصلحة إلى العبد مثلا من غير واسطة ، ولأنه يلزم فيه تعليل الشيء بنفسه ، أو التسلسل ، لنقل الكلام الى تلك المصلحة نفسها .
قالوا : إذا لم يكن غرضٌ ، فالفعل سَفَه .
قلنا : السفهُ عُرفا ما فُعِل مع الجهل بالعواقب ، أو ترجيح اللذات الحاضرة ، حتى يفعل السفيه ما فيه ضرره ، أو حتفه ، وهو لا يشعر ، وأين هذا من فعل المتعالي عن تجدد كمالٍ أو نقصان ، الذي لا يعزب عن علمه شيء على الإطلاق ، من سر وإعلان ؟ .

فصل ( الحسن والقبح )
وإذا عرفت - بما ذكر - عدمَ رجحان بعض الأفعال على بعض ، بالنسبة إليه تعالى ، عرفت جهالة من تسوَّر على الغيب ، ورأى أن العقل يتوصل وحده دون شرع ، إلى إدراك الحسن والقبيح عنده جل وعلا ، على أنه لو سلم لهم ذلك جدلا ، لم يجزِم العقلُ بشيء من ذلك ، لتعارض أوجهٍ من النظر في ذلك متضادة ، فإنا لم نعرف وجوب الايمان ، ولا تحريمَ الكفران ، إلا بعد مجيء الشرع .

فصل ( النبوات )
ومن الجائزات ، ويجب الإيمان به ، بعثُ الرسل إلى العباد ليبلغوهم أمر الله سبحانه ونهيه وإباحته ، وما يتعلق بذلك من خطاب الوضع ، لما عرفت أن الفعل لا يدرك دون شرع ، طاعة ولا معصية ولا ما بينهما .
وتفضل سبحانه بتأييدهم بالمعجزات الدالة على صدقهم ، وهي فعل الله سبحانه الخارق للعادة ، المقارن لدعوى الرسالة ، متحدى به قبل وقوعه ، غير مكذب ، يعجز من يبغي معارضته عن الإتيان بمثله .
فاحترز بالأول من القديم ، فليس فعلا لله تعالى ، فلا يكون معجزة ، ودخل فيه الفعل الذي تعلقت القدرة الحادثة به ، كتلاوة النبي صلى الله عليه وسلم القرآن ، فهو معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، دون غيره ، إذ غيره إذا تلاه ، إنما يحكيه ، وليس هو الآخذ له عن الملَك ، ودخل فيه ما لا تتعلق به القدرة الحادثة ، كإحياء الموتى ، وتكثير الطعام ، وانقياد الحجر والشجر ، وغير ذلك .
وعيّن بعض أصحابنا في المعجزة أن تكون من النوع الثاني لا الأول ، فتكون معجزة القرآن على هذا في نظمه المخصوص ، واطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك دون سائر الناس ، وكلا الأمرين ليس هو من فعله ، ولا كسبه ، وهذا الثاني أظهر ، والله أعلم .
فإن قلت : قد يتحدى النبي بعدم الفعل ، كما قال عليه الصلاة والسلام : ( قد عصمني ربي ) ، وكما قال نوح عليه السلام : ( فكيدوني جميعا ) وقال : ( ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ) فقد وقع التحدي بعدم الفعل ، كالضرب والقتل .
فالجواب : أن إعلامه وإخباره بذلك على وفق ما ظهر ، هو المعجزة ، وهو فعل الله خلقه له .
ومنهم من قَيد هذا الاعتراض ، فزاد لإدخال ما ورد بعد قوله في شروط المعجزة : وهو فعل لله تعالى ، فقال : أو ما يقوم مقامه .
واحترز بقوله : ( خارق للعادة ) من المعتاد ، فإنه يستوي فيه الصادق والكاذب ، ومن المعتاد : السحر ونحوه ، وإن كان سببه العادي نادرا ، خلافا لمن جعل السحر خارقا ، لكن لسبب خاص به ، ومن المعتاد أيضا ما يوجد في بعض الأجسام من الخواص ، كجذب الحديد بحجر المغناطيس .
وبقوله : ( مقارنا لدعوى الرسالة ) مما وقع بدون دعوى ، أو بدعوى غير دعوى الرسالة ، كدعوى الولاية .
وبقوله : ( متحدى به قبل وقوعه ) أي يقول : آيةُ صدقي كذا ، مما وقع بدون تحديه ، كالإرهاص ونحوه ، أو تحدى به لكن بعد وجوده .
وهل يجوز تأخير المعجزة عن موته ؟ قولان للأشعري ، وقال بالثاني أبو بكر الباقلاني ، وهو الظاهر ، فإن حفظ ما نص عليه من أحكام شرعه في حياته لا باعث على تلقيه منه .
وبقوله : ( غير مكذب ) مما إذا قال : آية صدقي أن يُنْطِق اللهُ يدي ، فنطقت بتكذيبه ، وفي تكذيب الميت المتحدي بإحيائه ، قولان للقاضي وإمام الحرمين ، واختار بعض المتاخرين عدمَ القدح في تكذيب اليد وشبهها ، لعدم التحدي بتصديقها .
وهل دلالة المعجزة على صدق الرسل دلالة عقلية ، أو وضعية ، أو عادية بحسب القرائن ؟ اقوال .
أما على الأولين فيستحيل صدورها على يد الكاذب ، لما يلزم على الأول من نقض الدليل العقلي ، وعلى الثاني من الخُلْف في خبره جل وعلا ، إذ تصديق الكاذب كذب ، والكذب عليه جل وعلا محال ، لأن خبره على وفق علمه ، فيكون صدقا ، فلو انتفى لانتفى العلم ملزومه ، وهو محال لما عرفت من وجوبه .
فإن قلت : قد وجدنا العالِمَ منّا بالشيء يخبر عنه بالكذب ؟
قلنا : كلامنا في الخبر النفسي ، لا في الألفاظ ، لاستحالة اتصاف الباري تعالى بها ، والعالم منا بالشيء يستحيل أن يخبر الجزء من قلبه ، الذي قام به العلم ، بخبر كذب على غير وفق علمه ، غايته أن يجد في نفسه تقديرَ الكذب لا الكذب .
وأيضا : لو اتصف الباري تعالى بالكذب ، ولا تكون صفته إلا قديمة ، لاستحال اتصافه بالصدق ، مع صحة اتصافه به ، لأجل وجوب العلم له تعالى ، ففيه استحالة ما علمت صحته .
وأما إن قلنا : إن دلالة المعجزة عادية بحسب القرائن ، فحيث حصل العلم الضروري عنها بصدق الآتي بها ، فإنه يستحيل أن يكون كاذبا ، وإلا لانقلب العلم الضروري جهلا ، ولم يُجْرِ سبحانه وتعالى عادَته من أول الدنيا إلى الآن إلا بعدم تمكين الكاذب من المعجزات ، وإذا خيل بسحر ونحوه ، أظهر الله فضيحته عن قرب ، فلله الحمد على معاملته في ذلك ونحوه ، بمحض الفضل والكرم .
ويجوز أن تظهر المعجزة على يد الكاذب لو انخرقت العادة ، ولا يحصل حينئذ بها عِلمُ صدقِهِ ، وإلا لكان الجهل علما ، وتجويز خرق العادة عند حصول العلم بالصدق في حق المُحِقّ لا يقدح في العلم ، إذ لا يلزم من جواز الشيء وقوعه ، ألا ترى أنا نجوِّز استمرارَ عدمِ العالم ، مع علمنا ضرورةً بوجوده ، إذ معنى الجواز أنه لو قدر واقعا لم يلزم منه محال لذاته ، لا أنه محتمل الوقوع .

فصل ( عصمة الأنبياء )
وإذا علم صدق الرسل ، عليهم الصلاة والسلام ، لدلالة المعجزة ، وجب تصديقهم في كل ما أتوا به عن الله تعالى ، ويستحيل عليهم الكذب عقلا ، والمعاصي شرعا ، لأنا مأمورون بالاقتداء بهم ، فلو جازت عليهم المعصية ، لكنا مأمورين بها ( قل إن الله لا يأمر بالفحشاء ) وبهذا تعرف عدمَ وقوع المكروه منهم ، بل والمباح على الوجه الذي يقع من غيرهم ، وبالله تعالى التوفيق .

فصل ( إثبات نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم )
ونبينا ومولانا محمد ، صلى الله عليه وسلم ، قد علم ضرورةً ادعاؤه الرسالة ، وتحدى بمعجزات لا يحاط بها ، وأفضلها القرآن العظيم ، الذي لم تزل تقرع أسماعَ البلغاءِ بتضليل كل دين غير الإسلام آياتُه ، وتحرك لطلب المعارضة ، على سبيل التعجيز ، حميةَ اللسن المتوقدي الفطنة ، الأقوياء العارضة ، نظما ونثرًا ، الخائضين في كل فن من فنون البلاغة طولا وعرضا ، بحيث لا تغلب عن معارضتهم أمنع كلمة ، وإن لم يُعَرَّض فيها بعجزهم ، فكيف وهم يسمعون في تعجيزهم صريحَ قوله تعالى : ( فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ) ثم تَنَزَّل معهم فقال : ( فأتوا بسورة من مثله ) ثم صرح بعجز الجميع ، جنِّهم وإنسهم ، مفترقين أو مجتمعين فقال : ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) ومع ذلك لم تتحرك أنَفَتُهُم ، وهم المجبولون عليها ، ومن عادتهم أنهم لا يتمالكون معها ضبطَ أنفسهم عند ورود أدنى معارض يقدح في مناصبهم ، وإن كان في ذلك حتفُ أنفهم ، فكيف بما هو من نوع البلاغة التي هي كلامهم ، وتدب فيهم دبيبا ، حتى إنهم في كل واد يهيمون .
لكن القوم أخرسهم ، أنهم أحسوا أن الأمر إلهي ، لا تمكن مقاومته ، إما لأنه ليس في طوقهم ، وهو الأصح ، أو للصرفة ، وهما قولان .
ومن لم يستح منهم ، وانتدب لمقاومة هذا الأمر الإلهي ، كمسيلمة ، افتضح وأتى بمَخْرَقَةٍ يتضاحك منها إلى قيام الساعة .
ولو أنهم نُقِل لهم القرآن نَقْلَ غيره من الكلام ، نقل آحاد ، لأمكن الاعتذار عنهم بعدم الوصول ، كلاّ ، بل امتلأت بِحَمَلَتِه وصُحُفه وإشادة أمره الأرضُ كلُّها ، سهلها وجبلها ، بدوها وحضرها ، برها وبحرها ، مؤمنها وكافرها ، جنها وإنسها ، وتطاولت أزمنته على تلك الصفة قريبا من تسعمائة سنة ، أفيستريب عاقل بعد هذا في كونه من عند الله جل وعلا ، صدق به نبيه صلى الله عليه وسلم ؟ .
هذا ، مع ما فيه من الإخبار ، قبل الوقوع ، بالغيوب المطابِقة ، ومحاسن علوم الشريعة المشتملة على ما لا يقدِر البشر على ضبطه من المصالح الدنيوية والأخروية ، وتحرير الأدلة ، والرد على المخالفين بالبراهين القطعية ، وسرد قصص الماضين ، وتزكية النفس بمواعظ يغرق في أدنى بحارها جميعُ وعظ الواعظين ، هذا كله على يد نبي أمي ، لم يخط قطُّ كتابا ، ولا حصلت له مخالطة لذوي علم ما يمكن بها تحصيل أدنى شيء من ذلك ، عَلِمَ ذلك كله بالضرورة : ( وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون ) .
ثم هذا إلى ما له من المعجزات التي لا تحصى ، ثم إلى ما جبلت عليه ذاتُه الكريمة من الكمالات التي كادت أن تُفْصِح ، بل أفصحت ، قبل مبعثه برسالته ، خلقا وخلقا ، ثم مع ذلك كله ، أكد الله تعالى صدقَه بذكره باسمه وبجميع وصفه في الكتب الماضية ، قال تعالى : ( الذين يتبعون النبي الرسول الأمي .. الآية ) وأطلق ألسنة الأحبار ، قريبا من مبعثه ، بجميع ذلك ، حتى أنه سبحانه بفضله مما أكد به زوال اللبس عن نبوته ، أنْ منع العربَ قبله من التسمي باسمه الخاص به ، إلا أناسا قليلين تسموا قريبا من مولده باسمه ، رجاء حصول النبوة لهم ، لما سمعوا من الأحبار ، ثم من عظيم فضل الله تعالى ، في إزالة اللبس ، أنه لم يطلق لسانَ أحد من أولئك الذين تسموا باسمه ، بدعوى النبوة .

فصل ( السمعيات )
وإذا وفقت لعلم هذا كله ، حصل لك العلمُ ضرورة بصدق رسالة نبينا ومولانا محمد ، صلى الله عليه وسلم ، فوجب الإيمان به في كل ما جاء به عن الله سبحانه ، جملة وتفصيلا ، كالحشر والنشر لعين هذا البدن ، لا لمثله إجماعا ، وفي كونه عن تفريقٍ أو عدمٍ محض ، تردد ، باعتبار ما دل عليه الشرع ، أما الجواز العقلي فيهما فاتفاق .
وفي إعادة الأعراض بأعيانها طريقتان ، الأولى : تعاد بأعيانها باتفاق ، والثانية : قولان ، والصحيح منهما إعادتها بأعيانها ، وفي إعادة عين الوقت قولان ، وكالصراط وكالميزان ، وفي كون الموزون صحف الأعمال ، أو أجساما تخلق أمثلة لها ، تردد ، والجنة والنار وعذاب القبر وسؤاله .
ولا يقدح فيه مشاهدتُنا للميت على نحو ما وضع في قبره ، لأن في الموت وما بعده خوارق عادات أخبر بها الشرع ، وهي جائزة ، فوجب الإيمان بها على ظاهرها .
وأما ما استحال ظاهره نحو : ( على العرش استوى ) فإنا نصرفه عن ظاهره اتفاقا ، ثم إن كان له تأويل واحد ، تعين الحملُ عليه ، وإلا وجب التفويض مع التنزيه ، وهو مذهب الأقدمين ، خلافا لإمام الحرمين.

فصل ( الشفاعة والحوض وتطاير الصحف )
ومما جاء به ، صلى الله عليه وسلم ، ويجب الإيمان به ، نفوذ الوعيد في طائفة من عصاة أمته ، ثم يخرجون بشفاعته ، صلى الله عليه وسلم .
والحوضُ ، وهل هو قبل الصراط ، أو بعده ، أو هما حوضان أحدهما قبل الصراط والآخر بعده ، وهو الصحيح ، أقوال .
وتطاير الصحف ، إلى غير ذلك مما علم من الدين ضرورةً ، وعلمه مفصل في الكتاب والسنة ، وكتب علماء الأمة .
واعلم أن أصول الأحكام التي منها يتلقى : الكتاب ، والسنة ، وإجماع الأمة ، وقياس الأئمة ، واتباع السلف الصالح ، واقتفاء آثارهم نجاةٌ لمن تمسك به .
وأفضل الناس بعد نبينا ومولانا محمد ، صلى الله عليه وسلم ، أبو بكر ، ثم عمر ، ومختار مالك الوقفُ فيما بين عثمان وعلي ، رضي الله عنهما وعمن قبلهما ، والصحابة ، رضي الله عنهم ، كلهم أئمة عدول ، بأيهم اقتديتم اهتديتم ، نفعنا الله تعالى بحبهم ، وأماتنا على سنتهم ، وحشرنا في زمرتهم ، آمين يارب العالمين .
فهذه عقيدة أهل التوحيد ، المخرجةُ - بفضل الله - من ظلمات الجهل والتقليد ، المرغمة - بعون الله - أنفَ كل مبتدع عنيد ، نسأله سبحانه أن ينفع بها بفضله ، ويشرح بها صدر كل من يسعى في تحصيلها بِطَوْلِه ، وصلِّ اللهم على سيدنا ومولانا محمد ، عدد ما ذكرك وذكره الذاكرون ، وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون ، ورضي الله تعالى عن أهله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين .

تمت العقيدة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه .
[b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
متن عقيدة اهل التوحيد للامام السنوسي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى اهل السنة الاشاعرة للحوار الاسلامي :: الساحة العقائدية :: التعريف بمذهب اهل السنة الاشاعرة-
انتقل الى: